محمد جواد مغنية
456
في ظلال نهج البلاغة
إلى نفسه قاده إلى الهاوية . وفي الحديث : « المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الشفاء » ويصح هنا القياس ، وعليه فلك أن تقول : الضعف والهزيمة أمام الطغاة بيت الداء ، وقوة الإصرار على الصمود في حربهم ومجابهتهم رأس الشفاء ( ولا ييأس الضعفاء من عدلك ) . الضعفاء هم المقياس الصحيح لعدل الحاكم وجوره ، فإن خافوا على أنفسهم من شر الأقوياء كان معنى هذا ان الحاكم ظلوم لا يهمه من أمر الرعية إلا السيطرة والاستعلاء ، وإلا السلب والنهب ، وإذا أمن الضعفاء من شر الأقوياء فمعنى ذلك ان الحاكم يشعر بتبعات الحكم الملقاة على عاتقه ، وانه للَّه وللعدل ، لا لأهوائه وأبنائه . ( إن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا ) حيث تمتعوا بنسائها على كتاب اللَّه وسنّة نبيه ، وأكلوا من طيباتها بكد اليمين وعرق الجبين ، وأيضا سعدوا وابتهجوا بمناظر الطبيعة ، وعاطفة الأبوة والبنوة ، وبلذة العلم والمعرفة ، وراحة الضمير والحديث إلى الأصدقاء ، ورجاء الثواب والرضا من اللَّه ، وما إلى ذلك من نعمه تعالى التي لا تعد ولا تحصى ، وتقدم في الخطبة 112 قول الإمام : وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم ( وآجل الآخرة ) وأيضا فاز المتقون بجنة عرضها السماوات والأرض . ( فشاركوا أهل الدنيا إلخ ) . . في الملذات التي أشرنا إليها ، وجمعوا بينها وبين الجنة . أما الطغاة العتاة فتمتعوا قليلا ، ثم إلى عذاب الجحيم . وتقدم مرات انه لا صراع ولا اصطدام بين طيبات الدنيا وجنات الآخرة ، وانما التضاد والصراع بين الحرام ومرضاة اللَّه وثوابه . قال رسول اللَّه ( ص ) لقوم حرموا الطيبات على أنفسهم : « إنما أنا أعلمكم باللَّه ، وأخشاكم له ، ولكني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، ومن رغب عني فليس مني » . الصبر مصدر السعادة : ( سكنوا الدنيا بأفضل إلخ ) . . المتقون سكنوا في بيوت متواضعة ، وسكن المترفون قصورا شامخة ، ولكن الكوخ مع الأمانة والتقوى خير ألف مرة من القصر المنيف مع الخيانة والفساد ، ونفس الشيء يقال في المآكل والملابس ( فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون إلخ ) . . من حيث سد الحاجات واستمرار الحياة ، لا من